سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
253
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
بعد تدبر هذه الأصول والنظر فيها بعين الحكمة يظهر لك السبب في سكون المسلمين إلى ما هم فيه مع شدتهم في دينهم . والعلة في تباطئهم عن نصرة إخوانهم وهم أثبت الناس في عقائدهم أنه لم يبق من جامعة بين المسلمين في الأغلب إلا « العقيدة الدينية » مجردة عما يتبعها من الأعمال التي من آثارها جلب المنافع ودفع المضار وما يستلزم ذلك من تعارف وتواصل وتبادل بالشعور والتحسس . وقد انعكس كل ذلك ولم يبق إلا تقاطع وتدابر وجفاء إلى غير ذلك مما سبق ذكره في حالة الأمة وعلمائها . وكما كانت هذه الجفوة وذلك الهجران بين العلماء كانت كذلك بين الملوك والسلاطين من المسلمين ، أليس بغريب أن لا يكون سفارة للعثمانيين في مراكش ولا لمراكش عند العثمانيين ؟ ! أليس بغريب أن لا تكون للدولة العثمانية صلات صحيحة مع الأفغانيين وغيرهم من طوائف المسلمين في المشرق ؟ ! هذا التدابر والتقاطع وإرسال الحبال على الغوارب عمّ المسلمين حتى صح أن يقال : لا علاقة بين قوم منهم وقوم ، ولا بلد وبلد إلا طفيف من الإحساس بأن بعض الشعوب على دينهم ويعتقدون مثل اعتقادهم وربما يتعرفون بمواقع ممالكهم وأمصارهم بالصدفة ، إذا التقى بعض ببعض في موسم الحج العام ، وهذا النوع من الإحساس هو الداعي إلى الحزن وانقباض الصدر . كانت الملة كجسم عظيم قوي البنية صحيح المزاج ، فنزل به من العوارض ما أضعف الالتئام بين أجزائه فتداعت للتناثر والانحلال وكاد كل جزء يكون على حدة وبمثل هذه الحال تضمحل هيأة الجسم . بدأ هذا الانحلال والضعف في روابط الملة الإسلامية عند انفصال الرتبة العلمية عن رتبة الخلافة وقتما قنع العباسيون باسم الخلافة دون أن يحوزوا شرف العلم والتفقة في الدين والاجتهاد في أصوله وفروعه كما كان الراشدون رضي اللَّه عنهم . كثرت بذلك المذاهب وتشعب الخلاف من بداية القرن الثالث من الهجرة حتى بلغ إلى حد لم يسبق له مثيل في دين من الأديان ثم انثلمت وحدة الخلافة فانقسمت